محمد بن ابراهيم النفزي الرندي
222
غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية
[ قال ] : فأتيت إلى مجلسه ، فوجدته يتكلّم في الأنفاس التي أمر الشارع بها فقال : الأول : إسلام ، والثاني : إيمان ، والثالث : إحسان ، وإن شئت قلت : الأول : عبادة ، والثاني : عبودية ، والثالث : عبودة ، وإن شئت قلت : الأول : شريعة ، والثاني : حقيقة ، والثالث : تحقّق . . ونحو هذا ، فما زال يقول وإن شئت قلت . . إلى أن بهر عقلي ، وعلمت أن الرجل إنما يغرف من فيض بحر آلهيّ ومدد ربّاني فأذهب اللّه ما كان عندي ، ثم أتيت تلك الليلة إلى المنزل فلم أجد شيئا منّي يقبل الاجتماع بالأهل على عادتي ووجدت معنى غريبا ما أدري ما هو ، فانفردت في مكان أنظر إلى السماء وإلى كواكبها ، وما خلق اللّه فيها من عجائب قدرته ، فحملني ذلك إلى العود إليه مرّة أخرى ، فأتيت ، فاستؤذن لي فلما دخلت عليه قام وتلقّاني ببشاشة وإقبال حتى دهشت خجلا ، واستصغرت نفسي أن أكون أهلا لذلك ، فكان أول ما قلت له : يا سيدي أنا واللّه أحبّك فقال : أحبك اللّه كما أحببتني ، ثم شكوت إليه ما أجده من هموم وأحزان . فقال : أحوال العبد أربعة لا خامس لها . النعمة ، والبلية ، والطاعة ، والمعصية ؛ فإن كنت بالنعمة فمقتضى الحق منك الشكر ، وإن كنت بالبلية فمقتضى الحق منك الصبر ، وإن كنت بالطاعة فمقتضى الحق منك شهود المنّة عليك ، وإن كنت بالمعصية فمقتضى الحق منك وجود الاستغفار . [ قال ] : فقمت من عنده وكأنما كانت تلك الهموم والأحزاب ثوبا نزعته . ثم سألني بعد ذلك بمدّة : كيف حالك ؟ فقلت : أفتّش على الهمّ فلا أجده . فقال « 1 » : ليلي بوجهك مشرق * وظلامه في الناس ساري والناس في سدف الظلام * ونحن في ضوء النهار « 2 » إلزم ، فو اللّه إن لزمت لتكونّن مفتيا في المذهبين ، يريد : مذهب أهل الشريعة العلم الظاهر ، ومذهب أهل الحقيقة أهل العلم الباطن . انتهى ما نقلته من « لطائف المنن » . وإنما أوردت ذلك هنا ، على طوله ، ليعرف به قدر المؤلف ، وليدفع بواضح برهانه طعن الطاعن وتعسّف المتعسف ، ولنتعرّض بذلك لنزول الرحمة من اللّه تعالى علينا ، وموالاة منحه وعطاياه لدينا . فقد قيل : « عند ذكر الصالحين تنزل الرحمة » مع ما في ذلك من قرب المناسبة لمعنى ما أورده المؤلف من الكلام الحائز به قصب السبق بين معاصريه من الأئمة الأعلام . وأما شيخه أبو العباس ، وشيخ شيخه أبو الحسن فحالهما أوضح من نار على
--> ( 1 ) البيتان في الرسالة القشيرية ص 378 ) . ( 2 ) سدف : ( ج ) سدفة : الظلمة .